الجمعية أو دارت: كيف تعمل، وأين موقعك منها الآن
قبل دورك، الجمعية مدينةٌ لك... وبعد دورك، أنت في موقع المدين. وقلّ من ينتبه إلى هذا الانتقال.
موقعك في أيّ لحظة هو ما قُبض ناقص ما دُفع. فإن جاء الدور مبكّراً صار عليك مالٌ للمجموعة، وإن تأخّر كان لك عندها مال. في جمعيةٍ من اثني عشر عضواً بـ700 درهم شهرياً، وقبضٍ في الشهر الخامس: 8,400 مقبوضة ناقص 3,500 مدفوعة = 4,900 باقية في ذمّتك. لا ربح فيها ولا خسارة، إنما نقلٌ للمال في الزمن.
أنت في جمعية، أو «دارت» كما تُسمّى في المغرب. اثنا عشر شخصاً، قسطٌ واحد كلّ شهر، وفي كلّ دورة يأخذ واحدٌ منكم المبلغ كاملاً. وقد صار دفع القسط عندك عادةً لا تحتاج إلى تفكير. والآن أجب بسرعة: هل المال الذي دفعته لك عند الجمعية، أم أنّ عليك مالاً لها؟ الأرجح أنّك ستتردّد، وليس هذا تقصيراً منك: لا شيء في الجمعية يُظهر لك الجواب. يجيب هذا المقال عن هذا السؤال بالذات، وعن السؤال الآخر الوحيد الذي يستحقّ الانتباه: ماذا يحدث حين يتوقّف أحدهم عن الدفع.
ما هي الجمعية، في سطرٍ واحد
مجموعةٌ من الناس يعرف بعضهم بعضاً، يدفع كلٌّ منهم المبلغ نفسه على فتراتٍ منتظمة، ويأخذ المبلغ كاملاً عضوٌ مختلف في كلّ دورة، حتى يمرّ الجميع1. وهي آليةٌ موثّقة في العالم كلّه؛ يسمّيها الباحثون جمعيات الادّخار والائتمان الدوّارة، ويجدونها في كلّ قارّة تحت أسماء مختلفة: التونتين في السنغال، وتشيت فَند في الهند2.
ففي الصورة الأكثر انتشاراً، حيث يكون ترتيب الأدوار متّفقاً عليه سلفاً أو بالقرعة، لا يأخذ أحدٌ مقابلاً على الانتظار: يضع كلٌّ المبلغ نفسه ويأخذ المبلغ نفسه2. احتفظ بهذه النقطة، فهي ما يجعل حساب الجمعية واضحاً: على مدار دورةٍ كاملة، لا تدفع أكثر ممّا تقبض.
تنبيه على الكلمة نفسها
كلمة «جمعية» تحمل في العربية معنيين متباعدين: الجمعية الأهلية (منظّمة، لها نظامٌ ومكتب)، وجمعية الادّخار بين الأصدقاء أو الأهل أو زملاء العمل. هذا المقال عن الثانية وحدها، تلك التي تدور بينكم بلا ورقٍ ولا مكتب، على الثقة.
تتعدّد أسماؤها والمعاملة واحدة: تُسمّى في الخليج جمعية الموظفين حين تدور بين زملاء العمل، وتُسمّى في المغرب دارت، ويُسمّيها بعضهم القرعة لأنّ الأدوار تُرتَّب بها. والحساب واحدٌ فيها جميعاً، فما ينطبق على إحداها ينطبق على الأخرى.
ما لا ينتبه إليه أحد: موقعك ينقلب في منتصف الدورة
وهنا مكمن الالتباس، والأمر أدقّ ممّا يبدو: موقعك لا يبقى واحداً من أوّل الدورة إلى آخرها.
- قبل دورك، تدفع ولا تقبض. الجمعية مدينةٌ لك بهذا المال. وأنت في موقع الدائن تماماً.
- في شهر دورك، تقبض المبلغ كاملاً، أكثر بكثير ممّا دفعت حتى تلك اللحظة.
- بعد دورك، تستمرّ في الدفع عن مبلغٍ قبضته سلفاً. أنت الآن في موقع المدين تجاه الجمعية، وما عليك ينقص مع كلّ قسط.
فقد يكون شخصان في الجمعية نفسها، وفي الشهر نفسه، في وضعين متعاكسين تماماً. ولهذا فإنّ قولك «أدفع 700 في الشهر» لا يصف موقعك الحقيقيّ في شيء.
موقعك، شهراً بشهر (بالدرهم)
لنأخذ الصورة الأكثر شيوعاً في المغرب: اثنا عشر عضواً، و700 درهم في الشهر، وهو المقدار الذي يبدأ به Namup. فيكون المبلغ الكامل 8,400 درهم، ولنفترض أنّ دورك في الشهر الخامس. والحساب نفسه في أيّ عملة، بدّل 700 بقسطك، و12 بعدد أعضائكم.
| الشهر الأوّل، المدفوع 700 | لك 700 |
| الشهر الرابع، المدفوع 2,800 | لك 2,800 |
| الشهر الخامس، المدفوع 3,500، دورك: تقبض 8,400 | عليك 4,900 |
| الشهر الثامن، مجموع ما دفعت 5,600 | عليك 2,800 |
| الشهر الثاني عشر، انتهت الدورة | لا لك ولا عليك |
أعِد الحساب ذهنياً، فالقاعدة سطرٌ واحد: موقعك في أيّ لحظة هو ما قبضته ناقص ما دفعته. في الشهر الخامس: 8,400 مقبوضة ناقص 3,500 مدفوعة = 4,900 باقية في ذمّتك. وفي الشهر الثامن: 8,400 ناقص 5,600 = 2,800. وفي الآخر: 8,400 ناقص 8,400 = صفر. لم تربح درهماً ولم تخسر درهماً، إنما هو نقلٌ لمالك في الزمن، وذاك هو المقصود منها أصلاً.
جمعيتك داخل خطّتك، على بُعد 60 ثانية، ودون إدخال بطاقتك البنكية. أرني خطتي ←
هل أربح من الجمعية إذن؟
لا، ليس مالاً. فعلى مدار دورةٍ كاملة تسترجع بالضبط ما وضعت. الجمعية ليست استثماراً: لا تُنتج عائداً، وإن جاء دورك في الآخر تكون قد جمّدت مالك قرابة سنة دون مقابل.
أمّا فائدتها فليست في المال، وهي حقيقية: إنها تفرض عليك الانتظام، فالتزامك أمام جماعةٍ تعرفك يفعل ما لا يفعله أيّ تطبيق، وتضع بين يديك مبلغاً كبيراً دفعةً واحدة، في وقتٍ ما كنت لتجمعه فيه وحدك، دون أن تقترض ودون كلفةٍ إضافية. ولهذا اعتمدت عليها ملايين الأسر أجيالاً.
لكن قُل لنفسك هذا بوضوح، خاصّةً إن كنت تفكّر في الدخول في واحدة: المبلغ الذي تقبضه ليس ربحاً، بل تعجيلاً. ستردّه قسطاً قسطاً إلى آخر شهرٍ في الدورة. الجمعية ليست وسيلةً للحصول على مالٍ لا تملكه، بل وسيلةٌ لتنظيم مالٍ ستملكه.
الخطر الحقيقيّ: التوقّف بعد قبض الدور
هذا أقلّ ما يُتحدَّث عنه، وهو الوحيد الذي قد يكلّفك فعلاً.
ما دام لم يقبض أحدٌ شيئاً، فخطر الجمعية يكاد يكون معدوماً. والخلل يظهر بعد الأدوار الأولى: فإذا قبض أحد الأعضاء المبلغ كاملاً ثمّ توقّف عن الدفع، بقي في يده مالٌ يخصّ غيره. والذين يتحمّلون هذه الخسارة هم الذين لم يأتِ دورهم بعد، أي الذين دفعوا كلّ شيءٍ ولم يقبضوا شيئاً. ولا يكون ذلك دائماً عن سوء نيّة: قد تنزل بأحدهم نازلةٌ فيعجز عن الوفاء، وهذا يقع. غير أنّ الخسارة تقع على غيره في الحالتين، ولهذا يُتّفق على الترتيب من البداية، لا بعد وقوع الخلل.
وثلاثة أمورٍ تخفّض هذا الخطر، وكلّها تخصّ الناس لا الأدوات: جماعةٌ يعرف أفرادها بعضهم حقّ المعرفة (فهذا هو الضمان، ولا ضمان سواه)، ترتيبٌ للأدوار يُتّفق عليه ويُكتب من البداية، لا ترتيبٌ يُعاد التفاوض عليه كلّما جدّت حاجة، وحجمٌ معقول، فكلّما طالت الدورة كثُرت الشهور التي قد تنقلب فيها أحوال أحدكم.
ويلزم من هذا أمرٌ يُقال بصراحة: ما تلتزم به في جمعية ليس مالاً تسحبه متى شئت. إنه التزامٌ بطول الدورة كلّها. فعامله في ميزانيتك على هذا الأساس، في مرتبة إيجارك، لا في مرتبة رغبات الشهر.
ماذا يقول الباحثون
الأمر مدروسٌ بجدّية منذ زمن. فالبحث المرجعيّ في الاقتصاد، لتيموثي بيزلي وستيفن كوت وغلين لوري، في المجلة الاقتصادية الأمريكية، عدد سبتمبر 1993، يحلّل هذه الجمعيات بوصفها مؤسّسةً ماليةً قائمة الذات، تُلاحَظ في العالم كلّه2. وما يعنيك من خلاصتهم: أنّ الصورة ذات الترتيب المتّفق عليه أو بالقرعة، وهي الأكثر انتشاراً، تُتيح لكلّ عضوٍ أن يقتني ما يحتاجه أبكر ممّا لو ادّخر وحده. وهذا بالضبط ما تستعملها فيه.
وثمّة تفصيلٌ يذكرونه، ومن الأمانة ألّا نغفله: توجد كذلك جمعياتٌ بالمزايدة، يُنال فيها دورٌ أبكر مقابل الالتزام بدفع أكثر. وهناك يظهر ثمنٌ، ضمنيّ، لكنه حقيقيّ2. فإن كانت جمعيتك تعمل على هذا النحو، فأنت لا تضع تماماً ما يضعه غيرك، ومن حقّك أن تعرف ذلك.
أمّا البنك الدوليّ فيصفها كما تصفها جدّتك تماماً: تُجمَع أقساط الأعضاء، ويذهب المجموع كاملاً إلى عضوٍ مختلف في كلّ دورة1.
هل في الجمعية ربا؟ الأقوال كما هي، دون أن نحسم عنك
سؤالٌ يتكرّر في كلّ دورة، يسأله من يسمّيها جمعية الموظفين، ومن يسمّيها دارت. وشأننا فيه العرض لا الإفتاء؛ وما يلي مسرودٌ لا على ترتيب قوّةٍ ولا ترجيح.
ومن دور الإفتاء المعاصرة التي وقفنا عليها من قال: لا ربا فيها. والحجّة في الآلية نفسها: كلٌّ يدفع القدر ذاته، وكلٌّ يقبض القدر ذاته، ولا يردّ أحدٌ أكثر ممّا أخذ. وممّا نُقل عن هيئة كبار العلماء بالسعودية، في دورتها الرابعة والثلاثين بالطائف من 16 إلى 26 صفر 1410هـ (سبتمبر 1989م)، أنّها ذهبت إليه بأكثرية أعضائها، ولم يصدر بذلك قرارٌ مرقّم؛ ونصّه في مجلّة الهيئة بحسب ما هو منشورٌ منها على الشبكة. وترى دار الإفتاء المصرية أنّها قرضٌ حسن، وأنّ «المنفعة الحاصلة فيه لا تتعيّن لمشتركٍ بعينه، بل تحصل لعموم المشتركين». وتذهب دائرة الإفتاء الأردنية المذهب نفسه، وترى أنّ المشتركين «يدخلون على سبيل المواساة والتضامن والتعاون» لا على عقد قرض، وكذلك مركز الفتوى بأوقاف قطر. وحاصل هذا القول، كما يُفهم من كلام الشيخ محمد العثيمين، أنّ العضو يُسلف قدراً ويأخذ مثله3.
والقول المقابل: فيها ربا. ونُقل عن الشيخ صالح الفوزان أنّه يراه «قرضاً جرّ قرضاً»، بنقلٍ صحفيّ سنة 2014م، لم يتيسّر معه الرجوع إلى مصدرٍ مطبوع. وهو من أعضاء الهيئة نفسها، وبهذا يُفهم لماذا صدر ما تقدّم بالأكثرية لا بالاتّفاق. وفي المغرب، ذهب الفقيه محمد التاويل إلى أنّها غير جائزة، من باب السلف بشرط السلف. وأصل الحجّة قاعدةٌ فقهية مشهورة: كلّ قرضٍ جرّ نفعاً فهو ربا. ومناط الاعتراض عندهم ليس المقدار، فالمقدار متساوٍ، وإنّما الشرط: لا يُقرَض إلا ليُقرَض4.
وقولٌ ثالث، نسبته دار الإفتاء الليبية إلى المالكية: المنع في الأصل، والرخصة للحاجة. نسبت دار الإفتاء الليبية، في بلدٍ مالكيّ، كالمغرب وسائر المغرب الكبير، المنعَ إلى المالكية، ثمّ رخّصت فيها لأجل الحاجة (وعبارتها منقولةٌ إلينا بالمعنى لا بالنصّ). ومعنى ذلك، على هذا النقل، أنّ الجواز لم يأتِ من جهة الأصل وإنّما من جهة الرخصة. وأمّا حدود هذه الرخصة ومن تشملهم، فليس ذلك ممّا نحكم فيه، وهو السؤال الذي يُعرض على من تأخذ عنه5.
وفي المغرب، لم نقف على فتوى رسمية في المسألة. بحثنا في المؤرشف من فتاوى المجلس العلمي الأعلى، وفي موقع وزارة الأوقاف، فلم نجد قولاً صادراً عن جهةٍ رسمية يتناول دارت بوصفها آليةَ ادّخار. وثمّة ما يشبه الجواب وليس به: توجد فتوى رسمية تحمل لفظ «القرعة»، وتُسمّى دارت في المغرب «القرعة» كذلك، ومن هنا يقع الالتباس، غير أنّ موضوعها اختيار الحجّاج حين يفوق عددُ الراغبين الحصّةَ المقرّرة، لا الادّخار الدائر؛ فإجماعُها سنة 2006م لا يقول في دارت شيئاً. وبين الأصوات الفردية المغربية خلافٌ قائم: يراها أحمد الريسوني جائزة، ويذهب رشيد بن كيران مذهبه؛ بينما منعها الفقيه محمد التاويل من باب السلف بشرط السلف6. ## كيف يتعامل Namup مع جمعيتك
في Namup، الجمعية ليست مصروفاً إضافياً. إنما تُحسَب على حقيقتها: التزامٌ بصفر بالمئة، قسطه الشهريّ محجوزٌ ضمن التزاماتك، في مرتبة إيجارك، وداخل العملية الواحدة نفسها التي يمرّ بها كلّ شيء (الدخل − الالتزامات − الادخار = المتبقّي للمعيشة، وهو المتاح لك).
والأهمّ أنّ موقعك الحقيقيّ يظهر كما هو في اللحظة التي تنظر فيها: ديْنٌ لك ما دام دورك لم يأتِ، والتزامٌ ينقص بعد أن تقبض. حتى لا تكذب عليك صورة مالك، فبدونه قد تحسب نفسك أفقر بآلاف الدراهم ممّا أنت عليه، وأشهراً متتالية.
وما لا يفعله Namup، ولا يدّعيه: أن يُدير الجمعية نفسها. لا إدارة للأعضاء، ولا تذكير للجماعة، ولا حركة مال. ولا نمسّ مالك. Namup يحسب جمعيتك على حقيقتها حتى تقول خطّتك الصدق؛ أمّا إدارتها فتبقى بينك وبين جماعتك، كما كانت دائماً.
ثلاثة مواضع تُخرِج الجمعية عن صورتها البسيطة، وأين يقف Namup منها
تخرج الجمعية عن صورتها البسيطة في ثلاثة مواضع. وهذه أمورٌ تُقرَّر في التطبيق نفسه، لا مسائلَ نظرية، ولذلك نذكرها ونذكر موقفنا منها:
- رسومٌ تتفاوت بحسب قُرب دورك، فمن يتقدّم يدفع أكثر، وهو ثمنٌ للتعجيل لا للانتظار؛
- عمولةٌ تُؤخذ في مقابل ضمان تعثّر أحد الأعضاء، وقد قرّر مركز الفتوى بأوقاف قطر في مايو 2025م أنّ الكفالة ليست محلًّا للربح، وهي قاعدةٌ تُستحضر إن جرت جمعيتك على هذا (فتوى 512338)7؛
- تغييرُ الترتيب دون رضا الجميع.
ولا شيء من ذلك في Namup، على أنّ هذا لا يُجيب عن اعتراض القول المقابل، فاعتراضه واردٌ على الصورة الأصلية نفسها، بلا رسومٍ ولا كفالة. تُسجَّل دارت عندك ديناً بنسبة 0%: الاشتراك يصير التزاماً في شهرك، والمبلغ المقبوض يصير قبضاً، ويُظهر سطر النسبة 0%، سطراً في الحساب، يعكس موقعك شهراً بشهر كما بيّنّاه أعلاه. وهذا الصفر وصفٌ للمقدار، لا حكمٌ على المعاملة. و Namup يحفظ السجلّ: لا يجمع مالاً، ولا يضمن أحداً، ولا يقتطع أيّ رسوم.
والأمر في ذلك يرجع إليك. وأربعة أمورٍ تكفي لعرض السؤال عرضاً تامّاً على من تأخذ عنه: المبلغ واحدٌ للجميع، والترتيب مُتّفقٌ عليه من البداية، ولا أحد يقتطع شيئاً في الطريق؛ وأنّ الدفع إنّما وقع على شرط أن يُدفع لك، وهذا هو موضع الاعتراض عند من منعها.
أسئلة شائعة
ما هي الجمعية بالضبط؟
مجموعةٌ من الناس يعرف بعضهم بعضاً، يدفعون المبلغ نفسه في مواعيد منتظمة، ويأخذ المبلغ كاملاً عضوٌ مختلف في كلّ دورة حتى يمرّ الجميع. وتُسمّى جمعية الموظفين إذا دارت بين زملاء العمل، و«دارت» أو «القرعة» في المغرب، والتونتين في السنغال، و«تشيت فند» في الهند، والآلية واحدة. وعلى مدار دورةٍ كاملة، يدفع كلٌّ ويقبض المبلغ نفسه.
هل أربح مالاً من الجمعية؟
لا، ويحسن أن يُقال بصراحة: على مدار دورةٍ كاملة تسترجع بالضبط ما دفعت. ليست استثماراً ولا تُنتج شيئاً. وما تمنحه لك هو الانتظام، فحين تنتظر منك جماعةٌ قسطها في موعده، تدفع، ولو فترت همّتك، ومبلغٌ كبير دفعةً واحدة دون اقتراض.
هل الأفضل أن يكون دوري مبكّراً أم متأخّراً؟
ذلك يتوقّف على حاجتك، لا على ما «يعود» عليك أكثر: ففي جمعيةٍ بترتيبٍ متّفق عليه، المبلغ واحدٌ أينما وقع دورك. الدور المبكّر يضع المال بين يديك قبل أن تُتمّ دفعه، وهو نافعٌ إن كان أمامك موعدٌ محدّد. والدور المتأخّر يجعلك تدّخر أوّلاً وتقبض آخراً، وهو أقلّ مخاطرةً لكنّه يجمّد مالك مدّةً أطول. وهنا تكون المفاضلة الحقيقية، والقرار قرارك وحدك.
الجمعية: ادّخارٌ أم دَين؟
الاثنان معاً، الواحد بعد الآخر، وهذا هو موضوع المقال كلّه. قبل دورك هي ادّخارٌ محجوز: الجمعية مدينةٌ لك بما دفعت. وبعد دورك هي التزامٌ بصفر بالمئة تردّه إلى نهاية الدورة. ولهذا لا يستطيع رقمٌ واحد أن يصف جمعيتك، ولا بدّ من النظر إلى موقعك في الشهر الذي أنت فيه.
ماذا لو توقّف أحدهم عن الدفع؟
هذا هو الخطر الأوّل، وهو يقع على من لم يأتِ دورهم بعد: فالتوقّف بعد قبض المبلغ يُبقي في يد صاحبه مالاً يخصّ سواه. ولا يوجد ضمانٌ رسميّ، والحماية الحقيقية الوحيدة هي جودة الجماعة، وترتيبٌ للأدوار مكتوبٌ من البداية، ودورةٌ لا تطول أكثر ممّا ينبغي.
تبادلنا الأدوار: أخذ صديقي شهري وأخذتُ شهره. ماذا يتغيّر؟
تبديل الأدوار أمرٌ معتاد في الجمعيات، وليس خللاً فيها، بل هو من أسبابها: عرسٌ يقترب، أو حاجةٌ تعجّلت. لكنّه يقلب موقعك: فإن تقدّم دورك انتقل موقعك إلى جهة المدين قبل الأوان؛ وإن تأخّر بقي في جهة الدائن أشهراً أطول. عدّل شهر دورك في Namup، فيُعاد حساب موقعك من ذلك التاريخ، وهذا بالضبط ما لا يظهر لك دون حساب.
وماذا لو عجزتُ أنا عن الدفع في منتصف الدورة؟
كلّم جماعتك مبكّراً، ولا تنتظر أن يُكتشف الأمر: فالجمعية تقوم على الثقة قبل المال. وأقرب الحلول وأصدقها أن تطلب تقديم دورك، وهذا بعينه ما وُجدت الجمعية لأجله. أمّا أن تقترض لتغطية القسط فهو أسوأ ما يمكن: يضيف التزاماً جديداً في ذمّتك فوق الذي عجزت عنه أصلاً، ويضيّق كلّ شهرٍ يأتي بعده.
ما حكم الجمعية (جمعية الموظفين، أو دارت)؟ وهل فيها ربا؟
الأقوال في ذلك مختلفة، ولسنا جهة إفتاء، وقد عرضنا أعلاه الأقوال بمصادرها، ومعها حال المسألة في المغرب. أمّا في الصورة الأكثر انتشاراً، ترتيبٌ متّفقٌ عليه أو بالقرعة، فالمقدار واحد: ما يدفعه العضو على مدار الدورة هو ما يقبضه. ومناط الخلاف ليس المقدار، وإنّما الشرط: أنّ الدفع إنّما وقع على أن يُدفع لك. اعرض هذه الأمور على من تأخذ عنه دينك.
ما حكم الانسحاب من الجمعية قبل انتهاء الدورة؟
الحكم يرجع إلى من تستفتيه. وأمّا الحساب فبيّنٌ لا لبس فيه، وهو ما ينبغي أن تعرفه قبل أن تسأل: إن انسحبتَ قبل دورك فما دفعته لك عند الجمعية، وأمّا متى يُردّ إليك فذاك ما تتّفقون عليه. وإن انسحبتَ بعد أن قبضتَ فالمال الذي في يدك مالُ غيرك، ولم تُتِمّ ردّه بعد، وهذا هو موضع الضرر على من لم يأتِ دورهم. اعرف في أيّ الموقعين أنت قبل أن تفتح الكلام مع جماعتك.
هل يلزم الترتيب الذي خرجت به قرعة الأدوار؟
اللزوم من عدمه يرجع إلى من تستفتيه. وأمّا الذي يعنينا فالفرق بين حالتين: تغييرٌ يرضى به الجميع، وهو معتادٌ في الجمعيات، وتغييرٌ يقع دون رضاهم، فيُقدَّم أحدهم على حساب غيره، وهو ظلمٌ لمن أُخّر. ولا علاقة لهذه القرعة بقرعة الحجّ المذكورة أعلاه؛ المقصود هنا سحبُ الأدوار وحده.
هل يستطيع Namup أن يُدير جمعيتي مع أصدقائي؟
لا. Namup يحسبها داخل خطّتك، القسط ضمن التزاماتك، وموقعك الحقيقيّ في كلّ لحظة، لكنه لا يُدير الأعضاء، ولا يُرسل التذكيرات، ولا يتولّى المدفوعات، ومالك لا يمرّ به. تبقى الجمعية تدور بينكم كما كانت؛ ومهمّتنا الوحيدة أن تقول ميزانيتك الحقيقة عمّا تمثّله.
في سطرٍ واحد
الجمعية لا تربحك مالاً ولا تخسّرك مالاً: إنها تنقل مالك في الزمن، وتنقلك أنت من دائنٍ إلى مدين في منتصف الطريق. وحين تعرف ما لك وما عليك، تعرف أخيراً أين أنت.
- التعريف المؤسّسيّ: جمعية الادّخار والائتمان الدوّارة «تعمل عادةً بتجميع أقساط أعضائها ودفع المبلغ كاملاً إلى عضوٍ مختلف في كلّ مرّة» (البنك الدولي / IFC، مذكّرة Global Findex، معطيات 2017). وأرقام الانتشار في هذه المذكّرة تخصّ أفريقيا جنوب الصحراء. ↩
- تيموثي بيزلي وستيفن كوت وغلين لوري، «اقتصاديات جمعيات الادّخار والائتمان الدوّارة» (The Economics of Rotating Savings and Credit Associations)، American Economic Review (المجلة الاقتصادية الأمريكية) 83(4)، سبتمبر 1993، ص 792–810، البحث المرجعيّ، ويحلّل «نوعاً من المؤسّسات المالية يُلاحَظ في العالم كلّه»، ويذكر من أمثلته التونتين في السنغال و«تشيت فند» في الهند. ومنه أُخذ التمييز بين الصور ذات الترتيب المتّفق عليه أو بالقرعة (وهي الأكثر انتشاراً) والصور بالمزايدة، حيث يُنال دورٌ أبكر مقابل الالتزام بدفع أكثر. المرجع. ↩
- هيئة كبار العلماء (السعودية)، الدورة الرابعة والثلاثون، الطائف، 16–26 صفر 1410هـ (سبتمبر 1989م)، صدر بالأكثرية، ولا رقم قرارٍ منشوراً؛ ونصّه في مجلّة الهيئة (Majallat al-buḥūth al-islāmiyya)، العدد 27، ص 349–350، منقولاً هنا، دار الإفتاء المصرية، فتوى 8397 (2 يوليو 2024م)، دائرة الإفتاء الأردنية، فتوى 2663 (3 سبتمبر 2012م)، مركز الفتوى بأوقاف قطر، فتوى 1959 (27 رجب 1420هـ / 5 نوفمبر 1999م)، محمد العثيمين، اللقاء الشهري رقم 9 (بتصرّفٍ يسير عن نصّ التفريغ). ↩
- صالح الفوزان، نقلاً عن جريدة الاقتصادية، 11 يونيو 2014م، وقولُه معروفٌ بهذا النقل الصحفي، ولم يتيسّر الرجوع إلى مصدره المطبوع، محمد التاويل، نقلاً عن هسبريس، 12 يناير 2020م. ↩
- دار الإفتاء الليبية، فتوى 5429 (1445هـ / 2023–2024م). وإقرارها بالمعتمد عند المالكية منقولٌ بالمعنى، لا بالنصّ. ↩
- غيابٌ مُتحقَّقٌ منه: بحثٌ في كامل ما هو مؤرشف من فتاوى المجلس العلمي الأعلى وفي موقع وزارة الأوقاف، دون أيّ نتيجة تخصّ دارت بوصفها آليةَ ادّخار. وفتوى «القرعة» الرسمية موضوعها اختيار الحجّاج (الدورة العادية الثالثة، ربيع الأول 1427هـ / أبريل 2006م، بالإجماع). الأصوات الفردية المغربية: أحمد الريسوني، رشيد بن كيران. ↩
- مركز الفتوى بأوقاف قطر، فتوى 512338، 9 ذو القعدة 1446هـ / 6 مايو 2025، الكفالة ليست محلًّا للربح. ↩